الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
158
شرح ديوان ابن الفارض
ليس كالكحل المطبوع ، كما قال المتنبي : لأنّ حلمك حلم لا تكلفه * ليس التكحل في العينين كالكحل وقال الشريف الرضي : هيهات لا تتكلفنّ إلى الهوى * غلب التطبع شيمة المطبوع قوله « ما الكحل الكحل » اعلم أنّ المبتدأ والخبر هنا معرفتان ، ولكن فيهما ما يميز المبتدأ عن الخبر مثل أبو حنيفة أبو يوسف تقدّم أو تأخر هو المبتدأ لأنه في مقام أن يشبه بأبي حنيفة . إذ المعنى أبو يوسف مثل أبي حنيفة . كذلك الكحل هنا مبتدأ تقدّم أو تأخر إذ المراد ليس الكحل المجلوب للعين مثل الكحل المخلوق فيها ، والكحل الذي يكون اسم الجنس بضم الكاف وسكون الحاء . وأما الصفة المخلوقة في العين فهي كحل بالتحريك ، وما هنا ليست عاملة لعدم ترتيبها . ( ن ) : قوله شهيدا ، أي مشاهدا من الشهادة وهي المعاينة للأمر على ما هو عليه وهي حال ، والحال قيد في الكلام ، يعني لا تمت إلا وأنت شهيد مشاهد لأمر الحق تعالى ، وهو مقام الإسلام التام وصاحبه صاحب ذوق وإحساس لا تخيل ووسواس ، وقوله ومن لم يمت في حبه ، أي الموت الاختياري بوجه أن حوله وقوته لربه لا لنفسه . وقوله لم يعش به ، أي بسبب حبه تلك العيشة الحقيقية الباقية وإنما يعيش بغيره من قوى روحانيته العرضية الفانية ، وقوله ودون اجتناء النحل ما جنت النحل ، النحل ذباب العسل ، وفيه تلميح بقوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النّحل : الآية 68 ] إلى آخر الآية . أي إلى نفوس أهل المعرفة من الأولياء المحققين أولي الذوق والوجدان واليقين ، وكلام الناظم يعني ودون اجتناء واقتطاف عسل علومهم ومعارفهم الإلهية والوصول إلى مقاماتهم ما جنت النحل ، أي ما جرته من الجنايات والبلايا والمحن وكون النحل تجني على من أراد اجتناء عسلها أي تكون سببا لوقوع السالكين في المحن الإلهية والفتن الربانية التي يبتلى بها المريد في طريق اللّه تعالى ، فإنهم الأئمة المرشدون والورثة المحمديون ، والعسل أحد أنهار الجنة الأربعة وهي علوم الفتح الرباني والإلهام الصمداني وهي علوم الصالحين من الأولياء والمقربين . وقوله تمسك بأذيال الهوى ، يعني إذا لم يبق في قدرتك إلا تحصيل آخر أطرافه فاقبض عليه وتعلق به ، ولا يفوتك فإن فيه نجاتك بالإخلاص فيه والتقوى أو هلاكك بعدم ذلك . وقوله واخلع الحيا ، إنما أمر بخلع ثوب الاستحياء لكمال قيامه بالإخلاص والتقوى في ظاهره وباطنه . كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما